كلمة جلالة الملك خلال الاجتماع السنوي السابع والعشرين لمجلس محافظي البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية ومنتدى الأعمال

٩ أيار ٢٠١٨

" بسم الله الرحمن الرحيم،

السيد الرئيس سوما تشاكرابارتي

أصحاب المعالي والسعادة،

السيدات والسادة،

أرحب بكم جميعا أحرّ ترحيب باسم الأردن. ويسرني أن أساهم في افتتاح أول اجتماع سنوي للبنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية في منطقة جنوب وشرق المتوسط. وأشكر جميع من يشاركوننا حضور هذا الاجتماع.

أصدقائي،

إن "تنشيط الاقتصادات" وهو العنوان الرئيسي لهذا الاجتماع يبدأ بالاستثمار؛ الاستثمار في الابتكار، والاستثمار في طرق التفكير المرتبطة بالقرن الحادي والعشرين. إن هذا النوع من الاستثمار يهدف إلى تبني ممارسات صديقة للبيئة، ويهدف إلى إعادة التفكير في الحلول الممكنة لمختلف التحديات، كما يهدف أيضاً إلى إحداث قفزات في المراحل التقنية وتبني أحدث الإمكانات والقدرات التكنولوجية.

إن تنشيط الاقتصادات يبدأ بالاستثمار في نمو القطاع الخاص وإيجاد الفرص، من أجل دعم الرياديين، وتوفير فرص العمل، وزيادة مستويات الدخل، وتوسيع آفاق التنمية للجميع. وهو يبدأ أيضاً بالاستثمار في ركائز الاستقرار والاعتدال، حتى ننهض بأولوية عالمية مشتركة تتمثل في تحقيق الوئام والتعاون والعيش المشترك، وحتى نرسي شراكات مع الدول التي تقوم بمسؤوليتها تجاه عمل الخير وما هو صائب على أكمل وجه. وهذا كله من شأنه دعم جيل جديد من المعنيين والقادرين على إدامة السلام والتنمية التي تشمل الجميع وعلى امتداد سنوات المستقبل.

نحن جميعا نعي التحديات التي تواجه الإقليم والعالم. وكلنا مطالبون بمواجهة هذه التحديات. وأستطيع أن أؤكد لكم بأن الأردن مستمر بالقيام بدور رئيس في إطار الجهد الدولي لإيجاد حلول تنهي الأزمات التي تهدد منطقتنا والعالم.

وأؤكد لكم بأن مستقبل إنسانيتنا المشتركة على المحك، ويتطلب أكثر من مجرد الاستجابة للتحديات، فالدفاع لم يعد أفضل وسيلة للتقدم. إن شعوب بلادنا تستحق أن يكون لها أهداف طموحة وعمل جدي وحاسم لتحقيقها. فلم يعد ممكنا الاكتفاء بجهود إنهاء الأزمات، بل لا بد من تهيئة البيئة اللازمة لإحلال السلام. ولم يعد ممكنا الاكتفاء بمواجهة الأخطار البيئية، بل أصبح من الضروري توفير عالم صحي وصديق للبيئة. ولم يعد مقبولا الاكتفاء بتأمين الاحتياجات الاقتصادية، بل لا بد من توسيع آفاق الازدهار، والتأكد من أنه متاح للجميع وله نتائج حقيقية وملموسة.

إن هذه الرؤية تشكل نهج الأردن. وأولويتنا الوطنية، وأولويتي الشخصية الأولى، هي تأمين مستوى حياة أفضل لكل الأردنيين. وعلى مدار عقود مضت، عمل الأردنيون في القطاعين العام والخاص وفي مؤسسات التعليم والمجتمع المدني بشكل مشترك، من أجل تحقيق تغيير مبني على الإجماع، تغيير يبقى أثره ماثلا ومستمراً.

إن برنامج الأردن ورؤيته الاقتصادية ترتكز بشكل أساسي على أهم مقدراتنا: وهم الأردنيون بما يتمتعون به من إبداع وطموح، وغالبيتهم من جيل الشباب. وينظر الأردن باستمرار إلى إشراك الجميع في مسيرة البناء، والمساواة بين الجنسين، وبث روح الريادة كمحركات أساسية لتحقيق التنمية. وبالإضافة إلى ما سبق، فإن استثمارنا في التعليم يهدف إلى تزويد أبناء وبنات الأردن بالأدوات المعرفية الضرورية للمنافسة على مستوى العالم. ولا شك بأن هذا الاستثمار الموصول في الشباب، وما رافقه من تشجيع روح الإبداع والابتكار، مكّن الأردن من تبوء موقع ريادي على مستوى الإقليم في مجالات الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، والشركات الناشئة، والصناعات الإبداعية.

أما ثاني أهم المقدرات التي يتمتع بها الأردن، فهي موقعه الجغرافي الاستراتيجي، فهو بوابة تصل آسيا وأوروبا وأفريقيا. كما أن ما أنجزه الأردن من اتفاقيات تجارة حرة متعددة يمكّن قطاعنا الخاص وشركاءنا من الوصول إلى أسواق عالمية تضم أكثر من مليار مستهلك، من بينها منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا التي تضم 350 مليون مستهلك. كما أن استثماراتنا في مرافق الموانئ وغيرها من البنى التحتية، تتيح فرصا على المستويات الدولية، والإقليمية والمحلية.

واليوم، تركز خطة التحفيز الاقتصادي في الأردن، التي تستشرف المستقبل، على قطاعات ذات قيمة مضافة عالية ومنتشرة في مختلف أرجاء الأردن. فقد حددنا فرصا استثمارية للشراكة بين القطاعين العام والخاص بقيمة تقارب 15 مليار دولار في قطاعات متنوعة تشمل الطاقة المتجددة، والاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، والبنية التحتية، والإنشاءات، والرعاية الصحية، والسياحة والخدمات المالية. وسواء أكانت مشاريعكم المستقبلية مرتبطة بالتصنيع لغايات التصدير عبر اتفاقيات التجارة الحرة، أو مشاريع اقتصادية خضراء وصديقة للبيئة، أو خدمات مهنية، أو فرصا جديدة كليا تستحدثونها، فإني أؤكد لكم بأن الأردن منفتح ويتطلع لاحتضان هذه الأعمال.

وقد يتساءل البعض إن كنا قد حققنا ما نطمح إليه من أهداف بأسرع وتيرة ممكنة. ومن المؤكد أنني لن أشعر بالرضا، حتى ننجز مستويات أفضل للمعيشة يلمسها كل الأردنيين في مختلف مجتمعاتهم المحلية. وبالرغم من ذلك، أستطيع القول إننا نتبنى النهج الصحيح. وأحد المؤشرات على ذلك، هو أن الأردن قد استمر بالمضي قدما على امتداد العقد الماضي رغم ما واجهه من تحديات خارجية، شملت الأزمة المالية العالمية، ثم أزمة الطاقة، مرورا بالاضطرابات الإقليمية، فأزمة اللجوء السوري بأعبائها الهائلة على الخزينة والمواطنين.  

إن منعة الأردن مستمرة ومتجددة بفضل إرث يستند على التوافق، والوحدة الوطنية، وقيم الاعتدال والانفتاح والاحترام المتبادل. لقد تمكن الأردن عبر التاريخ من تحويل التحديات إلى فرص، وتحويل الفرص إلى المزيد من الفرص. هذا هو النهج الذي يقودنا نحو المستقبل، وهذا هو الأمل الذي نتمناه لمنطقتنا أيضاً.

وبطبيعة الحال، فليس بإمكان أي دولة أن تتقدم بشكل منفرد ومن دون شراكات. وقد مثَّل البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية خير شريك للأردن في دعم مساره الاقتصادي، من خلال الاستثمار لتحقيق النمو الاقتصادي، وزيادة مشاركة القطاع الخاص، وتوفير الدعم الضروري لخطة الاستجابة للأزمة السورية.

وهنا، أود أن أشكر صديقنا، سوما تشاكرابارتي، وأثمن قيادته ورؤيته التي ارتقت بأداء البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية لآفاق جديدة وضاعفت جهود البنك والتزاماته تجاه منطقتنا.

وبالفعل، ستشهد العلاقة بين الأردن والبنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية هذا العام تطورا عبر عدد من المبادرات الحيوية والجديدة ومن بينها: جهود التنمية الخضراء، وإنشاء مركز متكامل لدعم الابتكار والريادة (المركز الوطني للإبداع)، كما أن مبادرتنا المشتركة لتعزيز المناخ الاستثماري والحوكمة الرشيدة ستسهم في تنشيط البيئة الكفيلة بتحفيز نمو الأعمال. وهنا، نعبّر عن تقديرنا للبنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية على هذه المبادرات والكثير غيرها، كما نشكر جميع من يدعمون البنك حتى يتمكن من النهوض بهذه المسؤولية الدولية المحورية.

أصدقائي،

إن المشاريع المشتركة تزدهر وتثمر عندما يستثمر الشركاء ويكرسون جل طاقاتهم ومواهبهم ومواردهم بهدف تحقيق النجاح. ونحن المجتمعون هنا اليوم شركاء في تحقيق هدف محوري، وهو "تنشيط الاقتصادات" التي تصب في صميم الازدهار والسلام العالميين.

أمامنا اليوم فرص حقيقية لتمكين ودعم بلداننا وشعوبنا. وبشراكاتنا، واستثماراتنا، سيكون النجاح حليفنا بكل تأكيد.

أشكركم جميعا".